English  |  عربي
   2015-05-10
print send to friend Help


تاريخ النبيذ


 

          لازلنا مستمرين في عيش الماضي من خلال شرب النبيذ المُصّنع من نبتة تعود أصولها إلى مناطق الشرق الأدنى القديم...

يعدّ النبيذ من أقدم المشروبات الكحولية في العالم، وكان يصنع من مواد مختلفة كالعنب والزبيب والتمر والعسل إلا أنه اليوم يصنع بشكل أساسي من العنب، له عدّة أنواع النبيذ الأحمر، النبيذ الأبيض النبيذ الوردي والنبيذ الفوار (الغازي). يتميّز النبيذ أنه كلما تقدّم عليه العمر كلما زادت جودته وأصبح مخمراً بشكل أفضل.

تاريخ صنع النبيذ:

من الصعب جداً الحصول على الأدلة الأثرية والتاريخة عن تصنيع النبيذ، فبذور العنب في المواقع الأثرية لا تدلّ بالضرورة على إنتاج النبيذ. إنما ما يدلّ على إنتاجه هو العثور على العنب المدجن، واكتشاف أدلّة على معالجة وتصنيع العنب.

إنّ أقدم تاريخ للعثور على النبيذ كان حوالي 6600-7000 ق.م من عصور ما قبل التاريخ في الصين في موقع Jiahu، حيث اكشفت آثار لشراب مخمّر مصنوع من الرز والعسل والفاكهة، تمّ التعرف عليه من خلال الحمض اللاذع الباقي قي قعر الجرة، وهو نفسه الذي نتذوقه من زجاجات النبيذ اليوم. بعد لك جاءت الأدلة الكتابية التي تذكر تصنيع النبيذ من العنب المؤرخة في 1046-221 ق.م.  

أّمّا أقدم تاريخ عن تصنيع النبيذ في غربي آسيا فجاءت من العصر الحجري أيضاً من موقع حاجي فيروز في ايران، حيث تمّ العثور على قعر انفورة تحمل نفس الطعم اللاذع وتؤرخ في حوالي 5500-5000ق.م، ثم جاء الدليل القاطع على تصنيع النبيذ من العنب من موقع آخر في ايران في حوالي 4300 ق.م.

وجدت أيضاً آثار لتصنيع النبيذ من العنب في موقع قربان حويوك جنوب شرق تركيا من الألف الخامس ق.م.

وفي العراق تمّ العثور على دليل لتصنيع النبيذ من أور في بداية الألف الثالث حوالي 2600-2500 ق.م

في سورية بشكل عام بدأت زراعة العنب منذ حوالي الألف الثالث ق.م، حيث وجدت آثار للجرار والأواني فُسّرت على أنها كانت تستعمل لحفظ النبيذ، كما وجدت آثار لأحواض عصر العنب في كل من قرى بارة وسرجيلا في الكتلة الكلسية في منطقة الجبال شمال غربي سورية. وأيضاً تمّ اكتشاف جرار وأواني تحكل روسامات عناقيد العنب وروسامات الإله باخوس (إله الخمر) في كل من أفاميا وتدمر، وفيما بعد أصبحت المناطق الساحلية كاللاذقية وطرطوس من أهم مناطق توزيع وتصدير النبيذ المصنع من العنب إلى كافة مناطق الشرق الأوسط، واستخدمت الانفورات في تصدير النبيذ إلى كل من روما واليونان.

في مصر في حوالي 3150 ق.م عثر على 700 جرة كان يعتقد بأنها تحتوي على نبيذ العنب.

أمّا في أوروبا فأقدم تاريخ لتصنيع النبيذ من العنب البري فيأتي من اليونان حيث كشفت التنقيبات في موقع ديكيلي تاش عن جرار تؤرخ في 4400-4000 ق.م. وأيضاً في أرمينيا في موقع Areni وجدت جرار تخزين تؤرخ في 4000 ق.م وتحتوي على آثار نبيذ أحمر مخمّر.

في الامبراطورية الرومانية كانت صناعة النبيذ من العنب تمارس على نطاق واسع ووصلت لأوجها في القرن الأول الميلادي. ومع انتشار المسيحية انتشرت صناعة النبيذ إلى كافة المناطق الأميركية والأوروبية. وتعددت أنواعه تبعاً لأنواع العنب المستعمل وبدأ الاهتمام بزراعته أكثر فأكثر. في روما بنيت غرف التخزين الخاصة لتخمير النبيذ، كما تطورت تقنيات زراعة الكرمة وصناعة البراميل والأواني الزجاجية (التي تحاكي شكل الانفورا). واخترع الرومان أيضاً نظام التسمية فهناك مناطق اكتسبت شهرة واسعة في إنتاج النبيذ الجيد. كما أنتجت كل منطقة أنواع مختلفة من النبيذ فهناك النبيذ المزّ والنبيذ الحلو والنبيذ الخفيف. وقواموا فيما بعد بخلط بعض الأعشاب والمعادن مع النبيذ لأغراض طبية وعلاجية.

و إنّ أقدم زجاجة نبيذ  تمّ العثور عليها تعود لرجل نبيل روماني وتؤرخ في 355-350 ق.م.

في العصور الوسطى تراجعت صناعة النبيذ قليلاً باستثناء استمرارها في بعض الأديرة المسيحية حيث قام الرهبان بزراعة الكرمة وإنتاج نبيذهم الخاص، كما وأصبح الرهبان البندكتيين من أكبر منتجين النبيذ في كل من فرنسا وألمانيا.

مع تطور التقنيات وتحسّن جودة وأنواع زراعة الكرمة في القرون 18-19-20 أصبحت أوروبا وخاصة فرنسا من أكبر البلاد المصنعة للنبيذ في العالم.

طريقة تصنيع النبيذ:

 الأرض، الهواء، الماء، والبيئة التي ينمو فيها العنب، كل هذه العوامل هي التي تجعل من النبيذ فريداً ومميزاً.

استمرت عملية تصنيع النبيذ نفسها منذ أقدم العصور، من حيث قطف العناقيد وعصر العنب وجمع الناتج في مستودعات خاصة ومظلمة، ثم بعد ذلك تتم عملية التقطير لتخليصه من الرواسب والقشور والبذور، وأخيراً تُجرى عملية التعتيق في أوعية محكمة الإغلاق في أماكن باردة ومظلمة. ما اختلف في تصنيع النبيذ بين الماضي والحاضر هي آلات العصر، آلية التقطير والأواني الزجاجية والأغطية المُصّنعة من الفلين والتي تمنع تسرب الهواء إلى داخل القوارير. كما جرت العادة على الاهتمام بالبراميل الخشبية التي يُعتّق بها النبيذ فنوعية الخشب تؤثر على مذاق ورائحة النبيذ، ويُفضل استخدام خشب السنديان، فهو المادة المثالية لتعتيق النبيذ، حيث يعمل هذا الخشب عمل الرئتين فيسمح بدخول الأوكسجين ليؤكسد النبيذ مما يثبت لونه ويلطف مذاقه، وتُصنع معظم براميل الخشب من السنديان الأميركي أو الفرنسي أو من خليط من الاثنين، كما أنّ هناك سنديان ملائم لصناعة البراميل ينمو في الصين و أوروبا الشرقية.

أنواع العنب المستخدم في صنع النبيذ:

إنّ نوعية النبيذ تُحدّد بشكل رئيسي من خلال كروم العنب، وليس من خلال طريقة تصنيع النبيذ، فكلما كان العنب جيد كان النبيذ أفضل. كما أنّ اختيار الكرمة تعتمد على نوعية النبيذ المُراد صنعه فيمكن اختيار العنب الأبيض أو الأحمر أو الأسود كما يمكن أن يتمّ خلط عدّة أنواع من العنب، كأن يكون أحمر مخلوطاً بنسبة من العنب الأسود حتى يصبح لونه داكناً، أو يخلط الأسود مع الأبيض، أو الأحمر مع الأبيض لإنتاج النبيذ الوردي (روزيه). 

من أهم أنواع العنب المستخدم هي:

Sauvignon, Chardonnay, Pinot noir, Cabernet, Saperavi, Fetiaska blanche, Merlot, Syera, Blanc du blanc, Petit noir ((العبيدي

هذه الأنواع يُصنع منها النبيذ الأحمر المزّ والنبيذ الأبيض.

أمّا النبيذ الحلو فيُصنع من أنواع العنب التي تنمو في المناطق ذات الصيف البارد مع توفر الرطوبة الكافية، أهم أنواعه هي:

Mouscadelle, Muscat ottonel

بالنسبة للعنب الذي يُزرع في المناطق الحارة نسبياً هو: Vitis uinifera، هذا الصنف متواجد منذ آلاف السنين ومنه تمّ تدجين أنواع العنب الأخرى. يزرع هذا العنب في شمال أميركا كما يزرع في مناطق المتوسط، ويتميز بالبذور القابلة للإزالة بسرعة والقشرية القوية، كما أنها تميل إلى نسبة حموضة عالية و انخفاض السكر.

كما أنّ هناك نوعين رئيسيين لعنب شمال أميركا هما: Fox, Moscadine وكلا النوعين يمكن أكله طازجاً واستخدامه في تصنيع النبيذ.

أنواع النبيذ:

كما ذكرنا سابقاً تختلف أنواع النبيذ بحسب أنواع العنب المستخدم، فلدينا النبيذ الأحمر المزّ والنبيذ الأحمر الحلو، النبيذ الأبيض، النبيذ الوردي والنبيذ الفوار. كما تعتمد نوعية النبيذ بشكل أساسي على قطاف الكرمة بمجرد أن تنضج، وإرسالها مباشرةً إلى المعصرة.

أهم البلاد المنتجة للنبيذ:

يُنتج النبيذ الفاخر في جنوب فرنسا في بورجوندي التي تنتج النبيذ الأبيض الفاخر، وبوردو التي تنتج النبيذ الأحمر. وفي توسكانا في ايطاليا، أمّا في اسبانيا فتنتج ربوخا النبيذ الأبيض والأحمر والروزيه كما تشتهر بإنتاج النبيذ الفوار، كما ينتج أيضاً في كل من ألمانيا والبرتغال وأرمينيا وجورجيا والأرجنتين وتركيا، وتتميز جزيرة سانتوريني في اليونان بإنتاج النبيذ الأبيض. وتعتبر أيضاً أميركا من أكبر الدول المصدر له وخاصةً في كاليفورنيا.

 أمّا في مقدمة الدول العربية فتعدّ الجزائر من أهم الدول المصنعة للنبيذ الفاخر فيتميز العنب الجزائري بأنه ذو جودة عالية. كما تعدّ لبنان أيضاً من الدول المصنعة للنبيذ الجيد ومن أهم أنواعه كسارا وكفريا. كما يُصنع النبيذ الجيد في كل من سورية والعراق والمغرب.